هل حقًا تجاوزت الإنسانية فكرة الأديان؟
في
نهاية طفولتي وبداية سنوات مراهقتي الأولى بدأت في التساؤل، شأني كشأن الكثيرين،
لماذا أنا مسلم؟ هل فقط لأنني نشأت في بيئة مسلمة لأبوين مسلمين؟ والداي يقولان لي
إن هذا هو الحق وإن ما دونه هو الباطل. حسنًا، ولكن كل الآباء يقولون نفس
الشيء لأبنائهم فالطفل المولود في أسرة مسيحية والداه يقولان له ما نحن عليه هو
الحق وكذلك اليهودي والهندوسي إلى آخره. كانت تدور في رأسي هذه الأسئلة حتى كدت
أصاب بالجنون فبدأت في البحث والقراءة والمقارنة بين الأديان حتى انتهيت إلى أن
الإسلام هو الدين الحق بين الأديان واستطعت أن أقول لنفسي أنا الآن مسلم عن اقتناع
ولست مجرد مسلم بالوراثة بعد سنوات من الشك والتردد والحيرة، وربما تكون مراحل هذا
البحث ونتائجه موضوعًا لمقال آخر قريب إن شاء الله.
استقر
الأمر على ذلك سنين طويلة حتى انتقلت إلى الحياة في كندا منذ ما يقرب من أحد عشر
عاماً حين برز أمامي سؤال أو لنقل تحد جديد: ما هي أهمية أن يعتنق المرء دينًا من
الأديان؟ أو بمعنى آخر: لماذا يحتل الدين هذه المساحة الضخمة في حياتنا – نحن
الشعوب الشرقية – بينما يمكن أن يعيش المرء بلا دين على الإطلاق ويظل سعيدًا في
حياته – أو هكذا يظن - دون أن يشعر أن هناك شيئًا ما يفتقده أو ينقصه؟
كان
الأمر بالنسبة إلي يشبه طفلًا نشأ في بيئة شغوفة بكرة القدم ويظن أن كل العالم مثل
أسرته ثم انتقل إلى الحياة مع عائلة أخرى فوجدهم لا يعرفون شيئًا عن الكرة ولا عن
فرقها ولا أسماء نجومها المشهورين فأصابه الأمر بالصدمة والذهول معًا.
يجادل
الكثير من الغربيين أن الإنسانية قد تجاوزت فكرة الأديان وأنها – أي الأخيرة لا
علاقة لها بالخالق سبحانه وتعالى والذي يؤمن معظمهم بوجوده، ولكن الأديان – في
ظنهم - هي مجرد فكرة من اختراع البشر للنصب على البسطاء بل إن منهم من يعتقد اعتقادًا
راسخًا أن الأديان هي سبب الكراهية والبغضاء بين البشر وأنه حالما اختفت الأديان
ستنتهي الحروب وسيعم السلام أرجاء العالم!
وحقيقة
الأمر أن هذا التصور مفرط في السذاجة والسطحية، فعلى سبيل المثال هل كانت الحرب
العالمية الثانية حربًا دينية وهي التي قتل فيها ما يزيد عن خمسة وخمسين مليونًا
من البشر وهو عدد يفوق عدد ضحايا الحروب منذ بدء الخليقة حتى تلك الحرب؟ الإجابة كما
نعلم جميعًا لا، بل كانت بين أمم يشترك معظمها في الدين وفي المذهب أيضًا. ونحن في
كل الأزمان كنا نرى صراع أبناء الملوك واقتتالهم على عروش آبائهم وهم جميعاً
متحدون في الدين والمذهب والنشأة، وما نزاعات الإخوة والجيران والأزواج وزملاء
العمل وما جرائم القتل والسرقة والاغتصاب ببعيدة وكلها لأسباب لا علاقة لها بالدين
وإنما من أجل أسباب أخرى كثيرة مثل القومية والعرق والمال والسلطة والشهرة والنفوذ
إلى آخر أسباب الصراع التي لا تنتهي والتي ربما كان الدين أحدها ولكنه بكل تأكيد
ليس أكثرها تأثيرًا ولا أهمية بل في أغلب الأحوال كان الدين لا يعدو مجرد غطاء
للتورية على الأغراض الدنيوية الحقيقية والحروب الصليبية خير مثال على ذلك، فحيثما
تواجد الإنسان تواجد الصراع لأن أسبابه ودوافعه ناشئة من طبيعة الإنسان نفسه ومن
داخله بل إن أول جريمة قتل في تاريخ الإنسانية - قتل قابيل لأخيه هابيل - كانت من
أجل فتاة ولم تكن من أجل الدين.
القصور
الثاني في هذا التصور هو نابع من عدم الفهم لمعنى كلمة دين، فمفهوم الدين أشمل من ذلك بكثير ، فالدين ليس فقط مقتصرًا على الأديان
المعروفة مثل الإسلام والمسيحية واليهودية والهندوسية وغيرها، وإنما هو كل ما
يعتقد الإنسان اعتقادًا جازمًا بصحته ويطبقه في حياته بل وفي أغلب الأحيان يسعى
لإن يحذو الآخرون حذوه سواء بالإقناع أو حتى بالقهر، فالديمقراطية دين، والعلمانية
دين، والشيوعية دين، والرأسمالية دين، بل إن الإلحاد نفسه دين وإلا قل لي بربك
لماذا يسعى الملحدون لنشر وبل فرض معتقداتهم ونمط حياتهم ويكتبون المقالات وينشئون
المواقع ويدخلون في مناقشات وحوارات طويلة من أجل هذا الغرض، ولماذا تنتفض فرنسا
العلمانية وتقوم القيامة فيها ولا تقعد من أجل قطعة قماش على رأس فتاة مسلمة؟
ولماذا كانت ومازالت السلطات الشيوعية تغلق المساجد والكنائس وتحولها إلى مراقص أو
حظائر للحيوانات؟ إن لم تكن تلك المذاهب والمناهج الأرضية أديان في حقيقتها فماذا
عساها أن تكون؟!
لماذا
إذًا يهربون من الأديان ويلجئون إلى الإلحاد أو اللادينية (ليسا مترادفين فالأول
هو إنكار الخالق عز وجل أما الثانية فهي الإيمان بوجوده مع الكفر بالأديان)؟ هناك
سببان لا ثالث لهما: أما الأول فهو التهرب من التكاليف فعلى سبيل المثال الإسلام
يفرض على معتنقيه الوضوء والصلاة خمس مرات باليوم والزكاة والصيام والحج وغيرها من
الفرائض إلى جانب اجتناب المحرمات مثل الزنا والربا وشرب الخمر والميسر ولحم
الخنزير إلى آخر المحرمات المعروفة، مع إنه لا يوجد دين أو مذهب أو نمط حياة بلا ضوابط
أو التزامات وما تفرضه الدولة الحديثة من الضرائب والخدمة العسكرية الإلزامية
والتصويت الإجباري في الانتخابات العامة في بعض البلدان مثال على ذلك، وما القهر
الذي عاشه ويعيشه مواطنو الدول التي ترزح تحت الحكم الشيوعي منا ببعيد.
أما السبب
الثاني فهو عدم الاقتناع ببعض نصوص هذه الأديان لأسباب عديدة منها: سذاجة وتداعي
الأسس العقائدية لبعض هذه الأديان، أو القصور في فهم النصوص لعدم وضوح التفسير أو لعدم
اتقان لغة هذه النصوص، أو الخطأ في اتخاد المرجعية مثل تقييم بعض أحكام الإسلام
انطلاقًا من مبادئ الحضارة الغربية الحديثة (مع التحفظ على وصفها بالحضارة) وهو
الفخ الذي يقع فيه الكثير من المسلمين في وقتها الحاضر ويؤدي ذلك إلى في أسوأ
الأحوال إلى انسلاخهم من الدين بالكلية أو في أقلها إلى تحرجهم من بعض أحكامه ومحاولة
تطويعها لتتلاءم مع المقاييس الغربية، أو أن بعض هذه الأديان قد طالتها يد التحريف أو التبديل
فصارت العقيدة نفسها يناقض بعضها بعضًا أو أضحت ديانة عنصرية استعلائية لا
تستسيغها النفس البشرية السوية، أو الممارسات السلبية لبعض من يمثلون هذه الأديان
في أعين الناس مثل تجاوزات وانحرافات بعض رجال الكهنوت في العديد من الديانات.
يمكن
أن نبسط السبيين فنقول إن الأول هو اتباع الهوى بالاصطلاح الإسلامي، والآخر هو عدم
بذل الجهد لمعرفة الحق. والحقيقة أن الإنسان لا يمكن أن يحيا بغير دين شاء أم أبى،
فطن لذلك أم لم يفطن، وأنه لا حياة بغير صراع ولا بغير تكاليف لا مفر من ذلك، وأنه
من أراد الحق متجردًا من الهوى أصابه فيكون بذلك قد أدرك سعادة الدارين: الدنيا
والآخرة.
أخيرًا:
هل من تركوا الدين واتجهوا إلى الإلحاد تهربًا من التكاليف وليتمتعوا بكل شهوات
وملذات الحياة عاشوا بعدها سعداء حقًا؟ أعداد المنتحرين ومرضى الاكتئاب والمترديين
على العيادات النفسية في الغرب وحدها كافية للإجابة على هذا السؤال!